السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
111
مفاتيح الأصول
لكان الحذر عنه سفها ولذا يلام من يحذر عن سقوط الحذار المحكم الصّحيح وهو محال بالنّسبة إليه تعالى وإذا ثبت وجود المقتضي ثبت أن الأمر للوجوب لأن المقتضي للعذاب هو مخالفة الواجب لا المندوب كذا أفاد جماعة وأورد عليهم بالمنع من انحصار حسن الحذر في قيام المقتضي للعذاب بل يحسن عند احتمال نزول العذاب ومثله كثير في الشريعة كأمرهم بترك الطهارة من الماء المسخن بالشمس حذرا عن إصابة البرص وكأمرهم بترك الأكل والشّرب على الجنابة حذرا عن الفقر والحاصل أن الحذر يكون واجبا لو كان العقاب معلوما أو مظنونا ويكون حسنا وندبا لو كان محتملا ويمكن الدّفع بأن احتمال قيام المقتضي له كاف في كون الأمر للوجوب إذ احتمال العذاب منتف على تقدير عدم الوجوب لقبح الظلم وأمّا ما ذكر من أن احتمال العقاب قد يتحقق ولا يجب الحذر كالأمثلة المتقدمة فمدفوع لأن هناك لم يتحقق احتمال العقاب وإلَّا لزم الظلم القبيح عليه تعالى لأن العقاب من فعله تعالى ولا يحتمل صدوره عنه إلَّا على ترك الواجب وفعل المحرم نعم حسن الحذر فيها لأجل احتمال ترتب مضرة دنيوية بناء على علاقة ذاتية بينهما والآية الشريفة دلت على أن حسن الحذر لأجل ترتب العقاب فتأمل ولا يقال قوله تعالى عن أمره مطلق فلا يعم جميع أوامره فيكون الدّليل أخصّ من المدّعى لأنا نقول أخصّية الدّليل من المدّعى هنا غير قادح لإمكان التتميم بعدم القائل بالفصل وقد صرّح به بعض المحقّقين على أنا نمنع من إطلاق الأمر في الآية الشريفة بل هو عام لأن إضافة المصدر حيث لا عهد تفيد العموم مثل ضرب زيد وشتم عمرو وآية ذلك صحة الاستثناء فإنه يصح أن يقال فيها فليحذر الَّذين يخالفون عن أمره إلَّا الأمر الفلاني وقد صرّح بما ذكر جماعة من المحققين وأورد عليهم أن المصدر عام بالنسبة إلى ما أضيف إليه إذا كان المراد منه المدلول المصدري والأمر في الآية الشريفة محمول على ما يطابق عليه من الصّيغ وأن الأمر لو كان عاما لما تم المطلوب إذ يصير المعنى حينئذ أنّ من خالف جميع الأوامر فليحذر ولا يلزم من ذلك الأمر بحذر من خالف أمرا واحدا وفي كلا الوجهين نظر أمّا الأوّل فلأن الأصل حمل المصدر على حقيقته ولا دليل هنا على صرفه عن الحقيقة سلمنا ولكن يجب حمل الإطلاق على هذا التقدير على العموم إمّا لما ذكره بعض المحققين من أن النكرة المضافة تفيد العموم مطلقا ولو لم يكن مصدرا أو لما ذكره نجم الأئمة فيما حكي عنه من أن اسم الجنس إذا استعمل ولم يكن قرينة تخصّصه ببعض ما يقع عليه فهو في الظاهر للاستغراق أخذا من استقراء كلامهم أو لأن العموم مفهوم هنا عرفا أو لأنه لو لم يحمل هذا الإطلاق على العموم يلزم الإجمال وهو خلاف الأصل وبالجملة لا إشكال في ظهور الإطلاق المفروض في العموم كما في قوله تعالى أحل اللَّه البيع وقوله عليه السلام خلق اللَّه الماء طهورا ويؤيّده تعليق الحكم في الآية الشريفة على الوصف وهو مخالفة الأمر إذ هو يشعر بالعلية فيفيد شمول الحكم لجميع الأفراد فتأمل وأمّا الثاني فلظهور ترتب الحكم على كل فرد لا على المجموع من حيث هو فتأمل ولا يقال أن الضمير في أمره مجمل المرجع لاحتمال رجوعه إلى اللَّه تعالى وإلى رسوله فلا يمكن الحكم بأن أمر اللَّه تعالى أو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على التعيين للوجوب لأنا نقول إجمال المرجع هنا غير قادح بعد عدم وجود القول بالفصل بين أمره تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فإن من قال بالوجوب في الأوّل قال به في الثاني وبالعكس كذا قيل وفيه نظر لوجود القائل بالفصل وهو الأبهري المتقدم إلى قوله الإشارة اللهم إلَّا أن يدعى شذوذه وندرته مضافا إلى أصالة عدم النقل وبها يمكن دعوى أن كلّ أمر للوجوب ولو لم يكن من اللَّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يقال إن الآية الشريفة إنما دلَّت على أن الأمر للوجوب ولا دلالة فيها على أن صيغة افعل له لأنا نقول هذا باطل لأن الظاهر أن المراد بالأمر ما صدق عليه مما كان على وزن افعل وغيره مما قام مقامه في الدّلالة على طلب الفعل وضعا فتدبّر ولا يقال إن الآية الشريفة لا دلالة فيها على نفى اشتراك الأمر بين الوجوب والنّدب بل يحتمله لاحتمال أن يكون كلمة أو للتقسيم لا التّرديد المحض فاللازم حينئذ إصابة الفتنة لبعض وهو الَّذي يترك المستحب كما اتفق لآدم عليه السّلام فإنه أصابه ما أصابه والعذاب لآخر وهو الذي يترك الواجب لأنا نقول ذلك فاسد أمّا أوّلا فلأنه يلزم أن يكون كلّ من ترك المستحب مصابا به الفتنة وهو مقطوع بالفساد وأمّا ثانيا فللزوم استعمال المشترك في معانيه من غير قرينة وهو ممنوع منه عند أكثر الأصوليين وإن جوّزه بعض إذ لا قرينة إلَّا كلمة أو وهي لا تصلح لذلك لاحتمال التنويع ولا يمكن أن يقال إن أمره تعالى للنّدب لأن تارك المندوب لا يصيبه العذاب فتعين أن يكون أمره تعالى للوجوب ويلحق أمر غيره بأمره تعالى بأصالة عدم النقل ولا يقال الاستدلال إنما يتم لو كان الموصول فاعلا ليحذر وهو ممنوع لجواز أن يكون مفعولا أقيم مقامه فلا يتوجّه الأمر بالحذر إلى مخالف الأمر فلا يتم الاستدلال لأنا نقول ذلك باطل لأن إسناد الفعل إلى الفاعل أقوى من إسناده إلى المفعول كما قرر في محلَّه لا يقال الفاعل مضمر والموصول مفعول فيكون المأمور بالحذر من تقدم ذكرهم وهم الَّذين يتسللون منكم لواذا لأنا نقول المتسللون هم المخالفون عن أمره فكيف يصح